ماركسية لينينية ام ماركسية لينينية ماوية؟ 1-2 حسقيل قوجمان

Publié le

2008 / 10 / 8

كتبت لي قارئة عزيزة تطلب مني ابداء رأيي في مقال نشر في الحوار المتمدن بتاريخ 25/1/2007 بقلم خالد المهدي عنوانه "الماركسية اللينينية الماوية ... منطلقات النقاش 1- في المنهج" وارسلت لي في اسفل رسالتها نص المقال الاصلي.
قدم الكاتب مقاله على انه "محاولة للدفاع عن الماركسية اللينينية الماوية بوصفها إيديولوجية الطبقة العاملة و أعلى ما وصله التفكير العلمي لحد الآن."
ويبين الكاتب "ان الفصل الثاني من الدراسة يحاول ان يوضح كيف طور ماو الأقسام الثلاثة للماركسية، أي الفلسفة و الاقتصاد السياسي و الاشتراكية." ولكن المقال لم يتضمن هذا الفصل وانما وعد الكاتب بكتابته في دراسة اخرى لذا ليس هذا موضوع البحث في هذا المقال.
يبدأ المقال بالحديث عن الحركة الشيوعية في المغرب ونشوء الحركات الماوية ويعد بمحاولة الاجابة على السؤال "نظرية البروليتاريا هل هي ماركسية أم ماركسية لينينية أم ماركسية لينينية ماوية؟" ثم يبين اهمية الاجابة على هذا السؤال.
يعبر الكاتب باسلوبه عن مقولة لينين البسيطة حين قال لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية. ويبين التأثير المتبادل بين الحركة الثورية، الممارسة، وبين النظرية وكيف ان الحركة نفسها تؤدي الى تطوير النظرية اثناء الحركة وبين ان نظرية الطبقة العاملة هي على حد قول كارل ماركس ليست تفسير العالم وحسب بل العمل على تغييره. هذه قضايا معروفة حول النظرية الماركسية والاخ الكاتب يؤكد عليها باسلوبه. وينهي الكاتب هذه المسألة بالقول: "إن هذه العلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة هي من أهم ما أسست له الماركسية نظريا فالقوانين الموضوعية التي اكتشفتها الماركسية في هذه المرحلة أو تلك هي مرتبطة بالممارسة الاجتماعية العامة ( الصراع الطبقي، الإنتاج، العلم...) التي عرفتها تلك المرحلة."
ليس فيما جاء في المقال لحد الان شيء جديد على ما اشار اليه الكاتب نفسه من اقوال لينين وماركس. ولكني اجد ان من المهم ابداء ملاحظات عن عبارتين وردتا في الفقرتين المذكورتين.
العبارة الاولى: "فالقوانين الموضوعية التي اكتشفتها الماركسية في هذه المرحلة أو تلك هي مرتبطة بالممارسة الاجتماعية العامة". يبدو لي ان عبارة القوانين التي اكتشفتها الماركسية ليست دقيقة علميا. فالماركسية هي في الحقيقة مجموعة القوانين الطبيعية السارية في المجتمع وحتى في الكون. فالقوانين الديالكتيكية هي قوانين الحركة عموما. هي قوانين كونية وليست مجرد قوانين اجتماعية. والقوانين لا تستطيع هي نفسها ان تكتشف قوانين اخرى. لهذا يبدو لي ان عبارة القوانين التي اكتشفتها الماركسية غير دقيقة علميا.
ان قوانين الحركة كانت سارية وفاعلة منذ نشوء الكون وما زالت فاعلة ما دامت المادة، الكون، قائمة. ولا علاقة للماركسية بهذه الظاهرة ظاهرة سريان القوانين الطبيعية لحركة الكون.
ان الماركسية هي علم. والعلم هو ظاهرة انسانية. لم يكن في تاريخ الكون الطويل علم ولم ينشأ العلم الا بعد ظهور الانسان على الكرة الارضية. فالعلم هو محاولة الانسان معرفة واكتشاف هذه القوانين الطبيعية وقد تطور هذا العلم مع تطور الانتاج الاجتماعي. فالعلم هو علاقة الانسان بالطبيعة ومحاولة تفسيرها والاستفادة من حركتها لتطوير حياته الاقتصادية والاجتماعية. فالعلم بهذا المعنى هو جزء من قوى الانتاج ومن ارقى انواع قوى الانتاج وهي علاقة لا ترتبط بمرحلة من مراحل تطور المجتمع وانما هي باقية ومستمرة مهما تغير وتقدم تطور المجتمع البشري. فالانسان هو الذي يكتشف القوانين الطيبعية ومن جملتها قوانين الحركة الاجتماعية التي هي الماركسية. فتاريخ العلم يقترب من الصفر بالقياس الى تاريخ الكون الذي يقدره العلماء بسبع عشرة مليار سنة.
بهذه المناسبة وعلى ذكر نشوء الكون لابد من الاشارة الى ما يحدث اليوم في عالمنا. فقد توصل العلماء الى ان هذا الكون الذي نعرفه نشأ فيما سمي الصدمة الكبرى (Big Bang) وان هذه الصدمة وقعت قبل ١٧ مليار سنة. وقد شاعت على هذا الاساس فكرة ان للكون بداية وكأنه خلق من لا شيء فكان ذلك حجة للذين يعتقدون بالخلق، اي ان الكون نشأ نتيجة لقوة خارجة عنه هي التي خلقته من لا شيء. ولكن التجربة العلمية التي يعمل العلماء اليوم على اجرائها تدل على خلاف ذلك. يقوم العلماء اليوم باجراء تجربة مصغرة للصدمة الكبرى في نفق طوله ٢٧ كيلومترا على الحدود السويسرية الفرنسية ويعدوننا باجرائها في اليوم العاشر من الشهر الجاري. ولكن هذه التجربة التي يقومون باجرائها لا تجرى كصورة مصغرة لخلق كون جديد من فراغ بل تجري على تحقيق تصادم مواد جديدة تنطلق بسرعة الضوء لتصطدم وتشكل صورة من الصدمة الكبرى. وهذا يعني ان الصدمة الكبرى لم تكن خلق كون من لا شيء بل كانت صدمة شكل من الكون لا نعرفه او يعرفه العلماء الذين يقومون بهذه التجربة وان على الانسان ان يطور علمه لهذا الشكل من الكائنات الذي نشأ عنه الكون. وهذه التجربة سواء نجحت ام فشلت ينفي نظرية الخلق ونظرية وجود قوة خارج الكون قامت بخلق الكون وتستطيع ان تنهيه بنفس طريقة خلقه.
والملاحظة الثانية التي اريد ابداءها حول ما جاء في الفقرات السابقة من المقال هي حول عبارة "محاولة للدفاع عن الماركسية اللينينية الماوية بوصفها إيديولوجية الطبقة العاملة و أعلى ما وصله التفكير العلمي لحد الآن." فهذه العبارة في اعتقادي ليست دقيقة علميا هي الاخرى. اذ لا يمكن القول بان الماركسية، لينينية كانت ام لينينية ماوية، بانها اعلى ما وصله التفكير العلمي لحد الان.
عند المقارنة بين شيئين وتفضيل احدهما عن الاخر يجب ان يكون الشيئان متشابهين لكي يمكن مقارنة احدى صفاتهما. فلا يمكن مثلا القول بان النسبية هي افضل من النور الكهربائي لانهما غير متشابهين ولكننا نستطيع ان نقول ان الفيزياء اصبحت اليوم اكثر تطورا منها قبل عشرين عاما لاننا هنا نقارن بين شيئين متشابهين هما علم الفيزياء. والتفكير العلمي لا ينحصر في نطاق معين بل يشمل جميع المجالات العلمية ولا يمكن تفضيل مجال علمي واحد على المجالات الاخرى.
في موضوع الماركسية بامكاننا ان نقول بان الفلسفة الماركسية هي اعلى ما بلغته الفلسفة او ان الاقتصاد السياسي الماركسي اكثر تقدما من علوم الاقتصاد الاخرى او ان مفهوم الاشتراكية في الماركسية هو ادق من النظريات الاشتراكية الاخرى. ولكننا لا نستطيع القول بان الماركسية اللينينية الماركسية هي اعلى ما وصله التفكير العلمي لحد الان.
يؤكد الاخ كاتب المقال كثيرا على اهمية تطور الماركسية وعلاقة هذا التطور بالممارسة اي الحركة الثورية وتاثير هذه الممارسة على تطور النظرية ذاتها. وعلى هذا الاساس يبين ان الماركسية تطورت الى اللينينية ثم تطورت الى الماوية ويسمي هذا التطور مراحل في تطوير النظرية الماركسية. وينتقد الكاتب اولئك الماركسيين الذين لا يوافقون على تطور الماركسية الى لينينية ثم الى ماوية ومنهم كاتب هذا المقال. وتبلغ به الحدة الى تسمية ذلك بنظرية سخيفة. ويتوصل اخيرا الى انتقاد الاخرين بقوله انهم يقولون:"مادامت اللينينية هي ماركسية عصر الامبريالية، ومادامت الامبريالية هي آخر مراحل الرأسمالية، فإن الماركسية اللينينية هي آخر مراحل تطور الفكر الماركسي في ظل الامبريالية !!!"
اتفق كل الاتفاق مع كاتب المقال على ان هذه العبارة غير علمية ولا اكرر قوله بانها سخيفة مراعاة لشعوره. ولكني لم اقرا او اسمع في حياتي ماركسيا يقول مثل هذه العبارة. ان كاتب المقال لم يقتبس هذه العبارة من مصدر معين وانما اوردها من عنده ونسبها الى كل الماركسيين الذين لا يتفقون معه.
ان المراحل هي مراحل اجتماعية. فالمجتمعات الانسانية تطورت من مرحلة دنيا الى مرحلة اعلى منها وقد حدد معلمو الماركسية هذه المراحل بالشيوعية البدائية والعبودية والاقطاع والراسمالية والشيوعية. فالمجتمع يتطور على مراحل ولذلك امكن تقسيم المرحلة الراسمالية نفسها الى عدة مراحل حسب الفئة الراسمالية المسيطرة على سائر الفئات الراسمالية. ومن المعروف ان الراسمالية بدأت بشكلها التجاري في عهد المانيفكتورا ثم تطورت الى سيطرة الفئة الصناعية في عهد الثورة الصناعية واخيرا تطورت الى سيطرة الراسمال المالي في عصر الامبريالية وبما انه لم تبق فئة اخرى يمكن ان تسيطر على الفئات الاخرى توصل لينين الى ان الامريالية اعلى مراحل الراسمالية اي ان اي تطور في المستقبل لا يمكن الا ان يكون الاطاحة بالنظام الراسمالي كله وبناء المجتمع الشيوعي بمرحلتين الاشتراكية ثم الشيوعية.
ولكن الخطل في هذه العبارة هو ان الكاتب يزعم ان الماركسيين يعتبرون الماركسية اللينينية اخر مراحل تطور الفكر الماركسي في ظل الامبريالية. ان تطور العلم، اي علم، لا يجري بمراحل. فلا يمكننا مثلا ان نقول ان هناك مرحلة اكتشاف الدورة الدموية في الطب او اكتشاف دورة حياة الملاريا او اكتشاف علم الجينات او غير ذلك. فالعلم يتطور بصورة دائمية نتيجة تطور العلاقة بين الانسان والطبيعة، قوى الانتاج، بصورة دائمية غير منقطعة. فما دام المجتمع الانساني قائما يبقى تطور العلوم جميعا قائما. ولا يختلف الامر لدى الحديث عن الماركسية. فالماركسية علم وهو علم دائم التطور ولا يتطور على مراحل وانما يتطور كسائر العلوم مع تطور المجتمع البشري ولا حدود لتطور علم الماركسية.
تطور المجتمع الراسمالي من مرحلة سيادة الراسمال الصناعي الى مرحلة سيادة الراسمال المالي. وكان هذا التحول تحولا من مرحلة الراسمالية التنافسية الى مرحلة الراسمالية الاحتكارية. وكان على الماركسيين ان يطوروا الماركسية وفقا لهذا التطور المرحلي للمجتمع الراسمالي. وقد وقع هذا الواجب على عاتق لينين اذ كشف عن القوانين الجديدة التي طرات على المجتمع لدى انتقاله من مرحلة الى مرحلة جديدة. وقد اطلق على هذا التطور اسم اللينينية لان بعض القوانين التي تتحكم في سير النظام الراسمالي التنافسي تختلف عن القوانين التي تتحكم في سير النظام الراسمالي الامبريالي. اتمام اقتسام العالم وحتمية الحرب العالمية وامكانية قيام الثورة الاشتراكية في قطر واحد وبناء المجتمع الاشتراكي في هذا القطر وغير ذلك لم تكن ممكنة في مرحلة الراسمالية التنافسية واصبحت ممكنة في مرحلة الراسمالية الامبريالية. هذا هو الاساس في اطلاق اسم اللينينية على ماركسية المرحلة الامبريالية.
ولكن اتهام الاخ كاتب المقال الماركسيين باعتبار ان الماركسية اللينينية "آخر مراحل تطور الفكر الماركسي في ظل الامبريالية !!!" باطل من الاساس ولم اسمع ماركسيا واحدا زعم مثل هذا الزعم. فالماركسية علم وكعلم هي في تطور دائم والخلاف هو هل هذا التطور يدخل ضمن اللينينية التي تعبر عن قوانين حركة المجتمع في المرحلة الامبريالية ام يشكل تطورا اخر كالماوية يختلف عن القوانين التي تتحكم في تطور النظام الامبريالي؟ وقد عبر الاخ كاتب المقال عن ذلك بقوله: "إن النظرية الماركسية هي ذاتها تتطور وتغتني مع تطور الواقع وتطور الممارسة العلمية".
وقد انتقد الاخ كاتب المقال حسقيل قوجمان عن مقاله حول الماوية فقال: "فحسب الرفيق قوجمان تطور فكر الطبقة العاملة وانتقاله من مرحلة إلى مرحلة أخرى هو رهين بتطور الرأسمالية وانتقالها من مرحلة إلى أخرى ومادامت المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية هي الامبريالية فــ"اللينينية هي ماركسية المرحلة الامبريالية وتبقى ما دامت الامبريالية قائمة: "***
وواضح ان ما جاء اعلاه ليس اقتباسا من مقالي وانما تعبيرا عما يعتبره رايي حول الماوية. فانا فعلا اميز بين تحول النظام الراسمالي من مرحلة الى مرحلة اخرى وهذا واضح في كل كتاباتي. فقد تحولت الراسمالية من مرحلة سيطرة الفئة الصناعية الى مرحلة سيطرة الفئة المالية على النظام الراسمالي. واؤكد فعلا على ان اللينينية هي ماركسية المرحلة الامبريالية وان تطور الماركسية خلال هذه المرحلة هو تطور اللينينية وليس مرحلة جديدة تختلف عن اللينينية. وليس في كتاباتي ما يشير الى ان الماركسية تبقى جامدة غير متطورة. فالخلاف بيني وبين كاتب المقال هو هل ان تطور الماركسية مع بقاء المرحلة الامبريالية يشكل جزءا من اللينينية ام هو شيء اخر يختلف عن اللينينية ويعتبر ماوية او غير ماوية؟
ان مقال الاخ كاتب المقال حتى نهايته يتركز على الرد على فكرة ان اعتبار اللينينية ماركسية عصر الامبريالية يعني عدم تطور الماركسية اللينينية الى مرحلة اعلى وهو ما لم يقله اي ماركسي. لذا اكتفي بما جاء اعلاه في مناقشة مقاله.
وقد وعدنا كاتب المقال بتحديد الاضافات التي اضافها ماو الى اركان الماركسية الثلاثة في مقال اخر لا ادري اذا كان قد نشره ام لا. ولكن هذا لا يغير من موضوعنا لان الخلاف ليس عما اذا طور ماو الماركسية اللينينية ام لا وانما اذا كانت تطويراته للماركسية اللينينية تشكل جزءا من اللينينية ام تشكل ما يسميه مرحلة اخرى في تطور الماركسية اللينينية، المرحلة الماوية.
تلاحظين قارئتي العزيزة انني لم اتطرق لحد الان الى المنظمات الماوية ولا الى انتقاد هذه المنظمات او ابداء رايي في نضالاتها. ولم اشر الى الاسباب التي ادت الى حاجة الاحزاب التي تتبنى الماركسية الى اطلاق اسماء مختلفة على تلك الاحزاب. احاول ان اناقش ذلك في الجزء التالي من المقال.

Commenter cet article