الرفيق القائد غسان كنفاني

Publié le

ولد الشهيد غسان كنفاني عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين .. وهو عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. عرفته جماهيرنا صحفياً تقدمياً جريئاً ، دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة.

 

نشأته وحياته:
والده :

خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء ، وبما أن والده لم يكن مقتنعاً بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لإبنه أن يكون تاجراً أو كاتباً أو متعاطياً لاى مهنة عادية ولكن طموح الابن أبي عليه الا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية. صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع فما كان عليه إلا أن يتكل علي جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذى يرسله له والده ويشترى بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ، ويشارك بعض الأسرفي مسكنها ، إلى أن تخرج كمحام. وعاد إلي عكا ليتزوج من أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب وليبني مستقبله هناك.
وكافح هناك وزوجته الى جانبه تشد أزره وتشاركه فى السراء والضراء ونجح وكان يترافع فى قضايا معظمها وطني خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارا كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية.
وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوماً بيوم وكانت هذه هى أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة وينقلها معه حيثما حل أو إرتحل ، وكثيراً ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع الى ذكريات كفاحه ، فقد كان فريدا بين أبناء جيله ، وكان هذا الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلاً لنا يحتذى.
هذا هو والد غسان كنفاني الذى كان له بدون شك أثر كبير فى حياة ثالث أبنائه غسان.

 

غسان الطفل:
هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا ، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الاجازة والأعياد فى عكا ، ويروى عن ولادته أن امه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل الى سريرها قبل أن تضع وليدها وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك وحدث هذا فى التاسع من نيسان عام 1936.
كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا وكنا نحسده لانه يدرس اللغة الفرنسية زيادة عما ندرسه نحن. ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات. فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب وقد شهد أولى حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التى بدأت هناك إثر قرار تقسيم فلسطين. لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتي بهم إلي عكا وعاد هو الى يافا ، أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى ان كانت احدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جري الهجوم الاول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في اطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والاطفال اذا اقتضى الامر.
ومما يذكر هنا ان بعض ضباط جيش الانقاذ كانوا يقفون معنا وكنا نقدم لهم القهوة تباعاعلما بان فرقتهم بقيادة أديب الشيشكلي كانت ترابط في أطراف بلدتنا. وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها الى عكا وكانت الصور ما تزار ماثلة فى الأذهان. فى هذا الجو كان غسان يجلس هادئاً كعادته ليستمع ويراقب ما يجري.

 

استمرت الاشتباكات منذ المساء حتي الفجر وفي الصباح كانت معظم الاسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن الى لبنان فوصلوا الى صيدا وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في اقصي البلدة علي سفح الجبل ، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية اذ أن والدهم لم يحمل معه الا النذر اليسير من النقود فقد كان أنفقها فى بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا وهذا البناء لم يكن قد إنتهي العمل فيه حين إضطروا للرحيل.
من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين الى حلب ثم إلى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان فى طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كنا نكتشف دائماً أنه مشترك فى مشاكلهم ومهيأ لها دون أن يبدو عليه ذلك.

 

غسان اليافع:
فى دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة ، أبوه المحامي عمل أعمالاً بدائية بسيطة ، أخته عملت بالتدريس ، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق ، ثم عمالاً ، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية.
بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك فى برنامج فلسطين في الاذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.
وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التى كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته. واثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الادب العربي والرسم وعندما انهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات فى مدرسة الاليانس بدمشق والتحق بجامعة دمشق لدراسة الادب العربي وأسند اليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصى. وذلك بالاضافة الى معارض الرسم الاخري التى أشرف عليها.

 

وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب وأترك الكلام هنا وعن حياته السياسيه لرفاقه ولكن ما أذكره انه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له احراجا مع والده الذي كان يحرص علي انهائه لدروسه الجامعية وأعرف أنه كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين اخلاصه ولرغبة والده.
غي أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة اقامته في الكويت كانت المرحلة التى رافقت اقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التى شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة فكان يقرأ بنهم لا يصدق. كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستماية صفحة وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة.
وهناك بدأ يحرر في إحدي صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسياً بتوقيع "أبو العز" لفت اليه الانظار بشكل كبير خاصة بعد أن كان زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل بالعراق.

 

في الكويت كتب أيضاً أولي قصصه القصيرة "القميص المسروق" التى نال عليها الجائزة الأولي في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكرى فى الكويت أيضاً وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التى ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هى شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية تفاخر بها أمام رفيقاتها ولم يتأخر غسان عن ذلك الا فى السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله. وفي عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة الحرية كما هو معروف.

 

غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالاضافة الى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل إثنين. لفت نشاطه ومقالاته الانظار اليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.
عام 1961 كان يعقد فى يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية.
واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت فى الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار واياها المخيمات وكانت هى شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة الى أهلها. وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي فى 12/11/1966.

 

بعد ان تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية اذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه.
عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حى المزرعة ، ثم الى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول.
وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل.
وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الاخيرة الا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره وكان يقضى أيام عطلته (اذا تسنى له ذلك يعمل فى حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته.

 

غسان القضية:
أدب غسان وانتاجه الادبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به.
"عائد الى حيفا" وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعي ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الاحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.
"أرض البرتقال الحزين" تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية. "موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. "رجال في الشمس" من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته الى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء ، كانت المعاناة ووصفها هى تلك الصورة الظاهرية للاحداث أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين فى تلك الحقبة وتحول قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.

 

فى قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق القضية ، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.
قصص "أم سعد" وقصصه الاخري كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين فأخذ يجتمع الى ناس المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتى تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين) أما القصة فلم يكتب لها ان تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه " عن الرجال والبنادق".
كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في الفترة الاخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لاحد العمال وهو يكسر الصخر فى كاراج البناية التى يسكنها وكان ينوى تسميتها "الرجل والصخر".

 

غسان الرائد:
تجب وضع دراسة مفصلة عن حياة غسان الادبية والسياسية والصحفية ولكننا في هذه العجالة نكتفي بايراد أمثلة عن ريادته بذكر بعض المواقف في حياته وعتها الذاكرة:
كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً دقيقا مذهلا وذلك في قصته "موت سرير رقم 12" ولا أستطيع أن اؤكد اذا كان سواه قد كتب عن ذلك من بعده.
فى أوائل ثورة 58 بالعراق ايام حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق ورأى بحسه الصادق انحراف النظام فعاد وكتب عن ذلك بتوقيع "أبو العز" مهاجما العراق فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده الى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.

 

بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة "المحرر" اليومية استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة وكانت على ما أذكر الصفحة الخامسة وكان يحررها هو وآخرون. ومنذ سنة تقريبا استحدثت احدى كبريات الصحف اليومية فى بيروت صفحة مماثلة وكتب من كتب وأحدهم استاذ صحافة فى الجامعة الاميركية كتبوا في تقريظ هذه الصفحة وساءنى أن يجهل حتى المختصون بالصحافة ان غسان قام بهذه التجربة منذ سنوات .
لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية فى الفترات الاولى لتعريف العالم العربي على شعر المقامة ، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن "شعراء الارض المحتلة" مرجعا مقررا فى عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين.

 

الدراسة الوحيدة الجادة عن الادب الصهيونى كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان "في الأدب الصهيوني". أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن حالة اللا سلم واللا حرب ولو عدنا قليلا الى الاشهر التى تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية فى تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللا سلم واللا حرب اى قبل سنوات من الاكتشاف الاخير الذى تحدثت عنه الصحافة العربية والاجنبية.
اننا نحتاج الى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التى كان يتمتع بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول أنه لم يكن له عدو شخصى ولا في أى وقت واي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذى لم يكن يهمه سوى الاخلاص لعمله وقضيته أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذى عرضت عليه الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون فى حاجة اليه ، الى ايمانه واخلاصه واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذى تساقط سواه كأوراق الخريف يأساً وقنوطا وقصر نفس.
كان غسان شعباً في رجل ، كان قضية ، كان وطناً ، ولا يمكن أن نستعيده الا إذا استعدنا الوطن.

 

عمل فى الصحف والمجلات العربية التالية:
- عضو في أسرة تحرير مجلة "الرأى" في دمشق.
- عضو في أسرة تحرير مجلة "الحرية" فى بيروت.
- رئيس تحرير جريدة "المحرر" في بيروت.
- رئيس تحرير "فلسطين" في جريدة المحرر.
- رئيس تحرير ملحق "الأنوار" في بيروت.
- صاحب ورئيس تحرير "الهدف" في بيروت.
كما كان غسان كنفاني فنانا مرهف الحس ، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كما رسم العديد من اللوحات.

 

من مؤلفات الشهيد:
(1) قصص ومسرحيات :
- موت سرير رقم 12.
- أرض البرتقال الحزين.
- رجال في الشمس - قصة فيلم "المخدوعون".
- الباب - مسرحية.
- عالم ليس لنا.
- ما تبقى لكم - قصة فيلم السكين.
- عن الرجال والبنادق.
- أم سعد.
- عائد إلي حيفا.

 

(2) بحوث أدبية:
- أدب المقامة في فلسطين المحتلة.
- الأدب العربي المقاوم في ظل الإحتلال.
- في الأدب الصهيوني.

 

(3) مؤلفات سياسية:
- المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها.
- مجموعة كبيرة من الدراسات والمقالات التي تعالج جوانب معينة من تاريخ النضال الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية (سياسياً وفكرياً وتنظيمياً).

 

استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله مما أدي إلي استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة).

 

كنفاني، جبرا، حبيبي: قراءة من داخل الخزّان

 

تبرز مكانة غسان كنفاني في كونه السارد الفلسطيني لمرحلة التهجير واللجوء، وتشكُّل سؤال المقاومة الفلسطينية الذي تجاوز خطاب التفجع والبكاء وانتظار الإغاثة. فكنفاني هو أيضاً كاتب تجربته الشخصية التي تماهت مع التجربة الجمعية إلى درجة يصعب فصل الواحدة عن الأخرى. وهو يشكّل حالةً استثنائيةً في اقترابه المباشر من حرارة التجربة وكتابتها، من دون أن تحترق أجنحة الفنّ في كتابته.

 

 ولهذا بقي النموذج الكنفاني ـ على بساطته ـ خارج متناول المقلّدين، يصعب تكراره من دون السقوط في الخطابة.
الروائي والقاصّ الذي سجّل التجربة الفلسطينية بحرارة، وعن كثب، بين 1948 و1972، بقيت رواياته العلامة الأبرز في إنتاجه. عمرٌ «أنفقه» بين الكتابة والعمل السياسي، تمّ قصفه مبكراً قبل أن يبلغ الذروة الأدبيّة. إذ يصعب تخيّل ما كان سينجزه لو بقي حياً حتى اليوم مثلاً، وبلغ الحادية والسبعين، أي السنّ التي أتيحت لروائيين فلسطينيين كجبرا إبراهيم جبرا (1920ـ1994) وإميل حبيبي (1921ــ1996) ممن شاركوه في تقديم السردية الفلسطينية المعاصرة. شاركه جبرا في سردية التهجير والمنفى (منفى المثقف والمقترن بالحظ في حالة جبرا)، بينما اختصّ حبيبي أكثر بسردية البقاء في الوطن المحتل: تلك السردية الساخرة المريرة كما تجلّت في «المتشائل». ويمكننا اليوم أن ننظر إلى علاقة التناص، أو بمقاربة أبسط التحاور، بين عنوان أشهر روايات كنفاني «عائد إلى حيفا»، والعبارة التي طلب حبيبي أن تنقش على شاهدة قبره: «باق في حيفا». كأننا بـ«المتشائل» يرد هنا على زميله، ويذكّر معاصريه بأنه، خلافاً للآخرين، بقي في فلسطين التاريخيّة التي تغيّرت هويتها، وعاش التجربة السياسية الصاخبة، والملتبسة التي نعرف. وإذا نظرنا جيداً، يمكننا أن نلاحظ منطقة مشتركة بين كاتبين اعتدنا أن نراهما عالمين منفصلين: كنفاني صاحب سؤال المقاومة الذي كتب خلال مرحلة الصعود القومي وتشكُّل سؤال المقاومة، وحبيبي مؤرّخ الهزيمة والعزلة القومية والبقاء في الوطن المحتل... هما وجهان للحكاية نفسها. وحين تناول كنفاني مسألة التباس الهوية من خلال شخصية الطفل الذي نسيه أهله عند النزوح من فلسطين عام 1948، فربّته عائلة إسرائيلية وأصبح ـــ من دون أن يعي هويته ـــ جندياً في جيش الاحتلال يحسب نفسه إسرائيلياً! وهي رؤية ربما لم يستسغها كثيراً الرأي العام الفلسطيني والعربي من كنفاني يومها، لكنّها اليوم باتت رؤية لها نصيب من الواقع. ولو تساءلنا عن تأثيرات كنفاني اليوم على كتّاب السرد الفلسطينيين، وخصوصاً الداخل الفلسطيني، لوجدناها أقل بكثير من تأثيرات إميل حبيبي. إذ تبدو تأثيرات هذا الأخير واضحة في الجيل الجديد عبر تلك اللغة الساخرة والقدرة على التعري، وعدم إنكار الهزيمة، بل الجرأة في إعلانها واستمداد القوة من ذلك. فوعي الهزيمة هنا هو شرط تجاوزها، وقوة المهزوم تكمن في صدقه مع نفسه، ودفاعه عن ذاكرته.

 


وفي حين أنّ كتابة حبيبي أكثر تأثيراً من أعمال كنفاني في الجيل الجديد من الروائيين الفلسطينيين، إلا أنّ تأثير كنفاني كرمز يتجاوز بكثير تأثير حبيبي، ليس فقط بسبب منزلته الأيقونية كشهيد وفارس كلمة، بل لأنّ كنفاني هو شخصية مضاءة بفترة الصعود القومي وسؤال المقاومة. وعليه، فهو ملهمٌ في شخصيته ومواقفه وتقدّميته ونقديته وحداثة رؤيته إلى العالم، وفي القيم التي جسّدتها شخصيته. بينما كانت شخصية إميل حبيبي «ضحية» لفترة الهزيمة، ولكونه ينتمي إلى قسم من الشعب الفلسطيني وجد نفسه أقلّية في أرضه، معزولاً عن بقية شعبه وأمته العربية، فُرض عليه أن «يكون» إسرائيلياً بين ليلة وضحاها، وبالتالي تجرّع الهزيمة مزدوجةً، فتجلّت مقاومته لها تراجيديا يومية سجّلها حبيبي في أعماله الأدبيّة. أضف إلى ذلك أنّ مواقف حبيبي السياسية لم تنل القبول والإعجاب الذي حازته أعماله الأدبية، إذ عانى سوء فهم، وفُسرت بعض مواقفه عكس ما كان يشتهي أو يضمر.

 


أخيراً، يبرز دائماً سؤال القيمة الأدبية وتغيّر السياق أو تحوّلاته على قراءة غسان كنفاني، فلسطينياً على الأخص. إذ يُفترض دوماً أنّ السياق تغيّر، وأنّ أدب كنفاني هو أدب سياق. وهي كلها افتراضات لا تبدو دقيقة بشكل كاف لطرحها بهذه الطريقة. (رغم الإقرار بأن «الالتزام» الأدبي بمفهومه الخمسيني والستيني يعاني جملة مركّبات ليست في صالح الكتابة كفنّ). وفي حالة كنفاني يتصاعد هذا النقاش، لكون قراءة كنفاني عانت دوماً من الأدلجة والتنميط. وفي فلسطين، كانت قراءته جزءاً من مقرّرات الجبهة الشعبية على منتسبيها. كما أنّ كنفاني كان أحد أهم منظري «أدب المقاومة» و«شعر المقاومة». ولعله كان أحد نحاتي هذا المصطلح ومروّجيه عربياً. هذا المصطلح الذي تحوّل قالباً لاحقاً، وصار ضرورياً كسره لتحرير الكتابة وإعطاء فعالية أكبر لفكرة المقاومة،.

 


واليوم، لم تنته مرحلة اللجوء بعد، بل إنّ تراجيديتها تأخذ أبعاداً سريالية حين «يلجأ» مثلاً لاجئو مخيم «نهر البارد» في الشمال اللبناني إلى مخيم لبناني آخر، وتعلو المطالب بحقّ «عودتهم» إلى مخيّمهم! الحالة الفلسطينية التي صوّرها كنفاني عقب النكبة ماثلة اليوم وتكاد تتطابق مشاهد من رواياته مع صور الفلسطينيين بعد 60 عاماً على اللجوء الأول... تمر كشريط سريع في مناطق مختلفة من الجغرافيا العربية خصوصاً. في كل مطار، نتذكر «رجال في الشمس»، وعند كل نقطة حدود عربية، هناك شاحنة وخزان وسائق فقد رجولته اسمه «أبو الخيزران» لا ينفك يتغنى بفحولته؛ بينما نحن في «الخزان» (أي «ما تبقى لنا» من فلسطين)، نقرأ غسان ونفكر بالكاتب الشاب الذي توقف عن الكتابة في الـ 36... نتخيّل يده تطير لحظة التفجير. يده التي وجدوها تلبس الساعة المتوقفة عند الساعة 11، على سطح إحدى بنايات بيروت!

 

 غسان كنفاني المبدع المتعدد عيشة عن عيشة.. تفرق!

 

لو كان غسان كنفاني اليوم على قيد الحياة لكان عمره 71 عاماً. وُلد في 9 نيسان عام 1936 في عكا، واستشهد في 8 تموز 1972 في الحازمية في بيروت، بعد تفجير سيارته من قبل عملاء الموساد.
تمزق جسده أشلاء، ووجدوا يده على سطح إحدى بنايات الحازمية، يد الكاتب التي لم تخذل القلم، لم تؤجره ولم تبعه، رحل الإنسان الذي لم يعش حياة طويلة، لكنها عريضة!
ولد عام 1936 وعاش 36 عاماً.. فقط. إنه مبدع متعدد، بل عدة مبدعين في مبدع واحد، ترك وراءه قصصاً وروايات ومسرحيات ودراسات ورسومات ومجلة أسسها هي "الهدف" شعارها "الحقيقة كل الحقيقة للجماهير"، وترك سيرة عطرة، وأمثولة حية.
في قتله لغسان كنفاني، عرف العدو الصهيوني من يصطاد. وإذا كان هنالك الألوف ممن قاتلوا ويقاتلون بالبندقية، فإن غسان كنفاني هو من القلة القليلة التي أبدعت في قتال العدو بالكلمة، الكلمة التي لا يقل تأثيرها عن الرصاصة بل ربما تفوقها تأثيراً، وتتفوق عليها بُعداً وأثراً. غسان من الذين جسدوا ليس فقط حكمة "إعرف نفسك" بل جسد كذلك حكمة "إعرف عدوك"، معرفة ليست محض تأملية وباردة، وليست معرفة من أجل المعرفة، بل معرفة راصدة وساخنة، معرفة من أجل الصراع!
يكفي أن نضرب مثالاً واحداً على ذلك وهي الدراسة التي أنجزها غسان ""في الأدب الصهيوني"، والتي قال فيها: "وكل ما تطمح إليه هذه الدراسة هو أن تلقي ضوءاً آخر على الشعار الصعب: اعرف عدوك" ... "إن الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية، وما لبثت أن استولدتها وقامت الصهيونية السياسية بعد ذلك بتجنيد الأدب في مخططاتها ليلعب الدور المرسوم له في تلك الآلة الضخمة التي نُظمت لتخدم هدفاً واحداً".
كان غسان كاتباً موهوباً وأديباً لامعاً لفت إليه أنظار النقاد والأوساط الثقافية مبكراً، حازت بعض أعماله على جوائز، وقد اعتمدت بعض الدول العربية أدبه في مناهجها التعليمية، كما ترجم أدبه إلى العديد من لغات العالم، وكان تراثه الأدبي مادة للعديد من الأطروحات الجامعية، وتم استلهام بعض أعماله أساساً لأعمال فنية سينمائية خاصة "رجال في  الشمس" و"عائد إلى حيفا".
يقول محمود درويش: "إن غسان كنفاني قد نقل الحبر إلى مرتبة الشرف، وأعطاه قيمة الدم" (مقدمة المجلد الرابع من الأعمال الكاملة)، ويقول عنه كذلك: "إن غسان درسٌ سياسي وأدبي وأخلاقي معاً". ("شؤون فلسطينية" العدد 12، آب 1972).
غسان كنفاني "عاش كشمعة تحترق من الجانبين" على حد تعبير صقر أبو فخر ("الهدف" 31 تموز 2001)، كان في صراع مع جسده حيث كان مصاباً بمرض السكري، يعطي نفسه بنفسه إبرة الأنسولين، كي يوفر وقت الذهاب إلى الطبيب أو الممرضة، كي يكسب زمناً لأنه يعرف انه في صراع مع الزمن، ولديه إدراك عبر عنه في كتابته أن عمره سيكون قصيراً، لذا كان يملأ وقته بنشاط دؤوب على كافة الأصعدة السياسية والإعلامية والإبداعية، ليس لديه وقت فراغ، وليس لديه ساعات دوام محددة، بل كان يسرق ساعات من الوقت المخصص لراحته ونومه.
هناك فرق نوعي بين أن نحيا وأن نعيش، وإذا استعرنا العبارة التي قالتها بطلة روايته "أم سعد" بأن "خيمة عن خيمة تفرق"، خيمة الذل واللجوء وخيمة الفدائيين والمقاتلين، فإنه يمكن القول كذلك أن عيشة عن عيشة تفرق، أن الحياة بمواجهة وكفاح وإبداع تختلف عن العيش كيفما اتفق بكسل واستسلام والرضا بحياة لا معنى لها ولا نكهة، حياة بلا حياة!
لذلك، كان غسان مدركاً لحقيقة أنه ليس المهم هو كم سنة نعيش، بل كيف نعيش، بمَ نملأ حياتنا، نوعية الحياة والدور الذي نقوم به فيها، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يجعل حياته طويلة، فعليه أن يعمل لجعل حياته عريضة، أي ثرية ونوعية، يظهر ذلك في تعليق كنفاني على موت الفيلسوف ألبير كامو : "أمس، توفي الفيلسوف الوجودي ألبير كامو.. صاحب فلسفة العبث، مات في موقف عبث، وأي رثاء له نوع من العبث ليس غير... لقد انتهى، وعليه أن يقنع بحياة عاشها عريضة، وان لم يستطع أن يجعلها طويلة" (أوراق خاصة، يوميات 1959-1960، 10-1-1960).
في ثنايا أعمال غسان كنفاني، وفي أوراقه ويومياته، نعثر على دراما الحياة والموت، يتبين لنا أحياناً كثيرة أن غسان لا يتحدث عن الآخرين بقدر ما يتحدث عن نفسه، عما يجول في نفسه، وعم يمور في روحه المتألقة والقلقة في آن. الاقتباسات التالية توضح ذلك:
- في قصة "موت سرير رقم 12" نقرأ: "إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين، المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درساً صغيراً للعيون الحية".
- في قصة "العطش": "أيها الرجل الكئيب.. هناك ما نسيته.. لن أقول لك ما هو. تجول في الغرفة كقطة محبوسة في خزانة طعام فارغة.. أتعرف ماذا نسيت؟ أن تعيش حياتك أنت، لا حياة أخرى".
- من يومياته بعنوان "قتيل في الموصل" نقرأ: "قال لي مرة فيما هو يقلب جريدة في يده.. "اسمع يا فيلسوفي الصغير.. الإنسان يعيش ستين سنة في الغالب، أليس كذلك؟ إنه يقضي نصفها في النوم.. بقي ثلاثين سنة.. اطرح عشر سنوات ما بين مرض وسفر وأكل وفراغ.. بقي عشرون.. إن نصف هذه العشرين قد مضت مع طفولة حمقاء.. ومدارس ابتدائية.. لقد بقيت عشر سنوات.. عشر سنوات فقط، أليست جديرة بأن يعيشها الإنسان بطمأنينة؟".
- في قصة "قرار موجز" التي كتبها في  دمشق 21-7-1958 يقول غسان على لسان بطله عبد الجبار: "إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة".. "ليس المهم أن يموت أحدنا.. المهم أن تستمروا".
- في يومياته يكتب عن معاناته مع المرض وصراعه مع جسده: "إنه لثمن باهظ حتماً... أن يشتري الإنسان حياته اليومية بالألم... والقرف... والنكتة... إنه ثمن باهظ بلا شك... أن يشتري حياته اليومية بموت يومي".
ومن المهم أن نشير إلى ما كتبه غسان إلى ابنة أخته لميس في إحدى رسائله إليها، وهي التي استشهدت معه في السيارة أثناء الانفجار، لنرى أن غسان ليس فردا يعيش في برج عاجي معزولا عن الواقع والحياة، بل إنسان يربط نفسه بجيل.. وتاريخ.. وقضية.. وصراع، يقول غسان لابنة أخته الطفلة لميس عاقداً مقارنة بينه وبينها:
"أيتها العزيزة: أنت تصعدين الآن، فيما نحن بدأنا نهبط، لقد أوشك دورنا أن يتم.. كان دور هذا الجيل أقصر دور لأي جيل مرَّ في التاريخ، إننا نعيش لحظات حاسمة في تاريخ البشر، وهنالك الناس ينقسمون إلى معترِك، ومتفرج.. أما المتفرج فلسوف يعيش جيله كله، ويمتصه حتى آخره، أما المعترك، فسرعان ما سوف يسقط، فالمعركة قاسية، وقدرته الإنسانية لن تحتمل كثيراً ولقد اخترت أنا، أيتها الصغيرة، ألا أكون متفرجاً، وهذا يعني أنني اخترت أن أعيش اللحظات الحاسمة من تاريخنا مهما كانت قصيرة".

هذا هو غسان كنفاني، العلامة المضيئة في تاريخ الأدب الفلسطيني والعربي، المبدع المتعدد الذي ينطبق عليه قول بابلو نيرودا: "أعترف بأنني قد عشت"، رغم أنه لم يعش طويلاً، وكانت له حياة جميلة.. عميقة.. بعيدة الأثر، مع أنها حياة مفعمة بالصراع.. مغمسة بالعذاب.

 

*عدنان جابر..كاتب فلسطيني، دكتور في الفلسفة، أسير سابق ومبعد، يقيم في دمشق

 

 

غسان كنفاني في جوانب عدة:

 

ما هو السر في استمرار الجدل حول غسان كنفاني، أدبه، شخصيته، واستشهاده، ثمة كائن سحري يقبع خلف القسمات الممتلئة ذكاءً وغضباً وإبداعاً، والتي تحفر في وجه هذا الرجل أخاديد متضاربة، أخدوداً يرسم تضاريس فلسطين، آخر يحكي انكساراتها، وبطولاتها وسلامها وعنفها.

 

السر في غسان كنفاني تماماً هو أنه فلسطيني عادي، لا يأبه لتغيرات السياسة، ولا يكترث لاندفاعات الهجوم مثلما لا يهزم لتراجع المرحلة، إنه يحمل كل تناقضاتنا، تشتتنا، ذكاءنا وغير ذلك، فالرجل لا يتحدث عن فلسطين وشعبها ونفسه، وإنما يتحدث وطنه وشعبه من خلاله. وهو في إطار اتحاد شامل وكلي، دون الرجوع إلى المصادر المتوفرة، إنه هو المصدر ذاته، وهو البيان، وهو الجواب. وهو السؤال أيضاً، سؤال ينتمي إلى تلك الشجرة، شجرة الفلسطينيين التي قال عنها المبدع الكبير فواز عيد إنها لا تمل الحياة أبداً.

 

غسان كنفاني إذن،هو شخصية ليست فريدة أبداً إلا في إبداعها، لهذا امتد على صفحات أدبه واضحاً، وخط كلماته ببساطة نادرة وعمق لا يضاهى، في فترة كان الرصاص فيها حلاً لكل المشكلات، تحدث عن أخطائنا وحسن نوايانا، وعن كل ما تتحدث به نفس الفلسطيني دون أن تجرؤ على بوحه صراحةً، فباح به إبداعاً، نثراً ورسماً وحواراً ومسرحاً، ومقالةً، ولا يزال كذلك، يشعرنا في كل وقت أنه بيننا، على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، غسان كنفاني لا يزال بيننا ليس لأنه غسان وإنما لأنه ذلك الفلسطيني الذي يستحيل موته، حياً، إنه بسيط كالشهداء، واضح ككل المناضلين، شفاف بوصفه فناناً وأديباً، وكئيب باعتباره فلسطينياً لا يمل الحياة أبداً على الرغم من كل أدوات الموت.

 

غسان مواطناً:

ربما كان أدق ما اختصر من خلاله غسان واقع الفلسطينيين في الشتات العربي رواية « رجال في الشمس» الفريدة في الأدب العربي، فريدة من حيث الشكل والمضمون، فهي شكلاً ليست رواية تماماً، وإنما شيء آخر، إنه يفعل في « رجال في الشمس » ما يفعله أي مواطن فلسطيني وعربي، يشتم ويفكك ويحبط ولا يبالي بشيء، يضيع بين الحروف، يصف هذا بالمخصي ويحمله مسؤولية الاختناق داخل خزان الواقع المرير، ذلك ليس استقراءً لواقع بقدر ما هو تعبير عن آلام، فأبو الخيزران، المخصي يتاجر بنقل لاجئين إلى الكويت في خزانه، إنه لا يكترث لبقائهم داخل صندوق الحديد المغلق في حر الصحراء، هو يحبهم لكنه لا يكترث لموتهم، ويريد استثمارهم لكنه ليس مستعداً لبيعهم، يتألم بعيد مغادرته لسوق النخاسة، مشتتاً تجاه أحاسيسه ومن خلالهم يستفيد، لا يحبذ هذه الاستفادة في أعماقه، غسان هنا بصراحة يطرح رؤية الفلسطيني للنظام العربي، النظام السياسي، إنه يطرح التناقض الذي خطته الأنظمة، والتي كان لسان حالها التعاطف مع فلسطين وبث مقولات كراهية الفلسطينيين وهو ما استشعره العديد منا في مختلف مناحي حياته، مع الانتفاضة، وضد المنتفعين، تقديس لفلسطين وتعاون ضد الفلسطينيين يصل إلى حد الوقوف في صف الجلاد عند البعض.‍‍‍!!غسان المواطن، لا يتقن المواربة ولا يحبذ المواراة، فهو واضح كمثل أولئك الواقفين في طوابير استلام مئونة الإعاشة، يستلمون حصصهم ثم يشتمون من قام بتوزيعها!! يقاتلون ويقتلون، فلا يشعرون بأنهم قدموا شيئاًـ غسان أيضاً يقول ذلك بطريقة فنية، ولا يستثني قيادتنا، قيادة الثورة الفلسطينية من ذلك، بل لا يستثني الشعب والمجتمع نفسه أيضا حينما يصرخ: « لماذا لم تدقوا جدار الخزان». إنه يعتبر نفسه هنا كفلسطيني متأخراً باحتجاجه، ليصل إلى قمة السخط بتحميل بعض من الإدانة للضحية نفسها التي لم يكن احتجاجها عالياً في البداية، ربما كان يقصد انتفاضة لم يشأ العدو أن يراها تقرع جدران خزان العقل والواقع الفلسطيني فقتله قبل يوم الأرض، والقتال البطولي في لبنان، والانتفاضات المتكررة في فلسطين، لم يشأ العدو أن يرى صاحبُ الصرخة صداها، فقتل غساناً محاولاً بذلك قتل الروح الفلسطينية المتمردة على الآخر وعلى نفسها، على الواقع والحلم، الهزل والجد، الوطنية والخيانة، شأنه في ذلك شأن أي فلسطيني، وربما لأول مرة، سأورد حادثة واقعية تعجل في فهم مواطنة غسان كنفاني، وهي أن أحد الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في ليبيا وبعد قراءته لروايات كنفاني، أقر بأنه لا يستحق الحياة فشنق نفسه وذلك في مدينة بنغازي، بالطبع هو لم ينفذ هنا ما قاله غسان عن قرع جدران الخزان لكنه أوضح مدى تأثره، يقول أبناؤه بأنه فعل ذلك لائماً نفسه على الخروج من فلسطين، ربما فهم صرخة غسان على أنها كذلك، وبما أن النكبة حلت لم يستطع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء فانتحر تاركاً رسالة لابنه تقول بما أنني تأخرت في قرع جدران الخزان، فأنا لا أستحق الحياة.‍‍‍!! هذه حادثة ليست إيجابية، لكنها معبرة بطريقة أو بأخرى، أفصح تعبير لها أن غسان يصل إلى داخل المواطن الفلسطيني ليس من خلال الشعار وإنما بطريقة جد بسيطة، يكتب همومنا، ومع الإقرار بخطأ الفعل الانتحاري، إلا أنه وعلى سلبيته يوضح مدى التأثير بحروف غسان، وإن كان يقصد على غير ما فهمه هذا المواطن المنتحر، إلا أن صرخة قرع الخزان وصلت إلى الكثيرين بطريقة أخرى وأزعم بأن صرخته هذه مع صرخات كثيرة أطلقها كتاب فلسطينيون هي من صنعت الشخصية الفلسطينية فأخرجتها من حالة النكبة السلبية إلى حال الفعل الثوري. لقد أنقذ أمثال غسان كنفاني الشعب الفلسطيني برمته من الضياع، عبر فهم لدواخلنا، وعبر التحريض، فانكسرت السلسلة الحديدية التي صنعها أمثال أبو الخيزران (المخصي) وقرعت جدران الخزان حقاً، وقد استطاع كنفاني ذلك، ليس فقط لأنه كاتب مبدع وإنما لكونه فلسطينياً حقيقياً، إنه مواطن عادي، لاجىء متألم، وفدائي وأديب وفنان مبدع، كل ذلك حين يجتمع يصنع معجزة التواصل مع الجمهور الذي تفتقده غالبيةٌ من أدباء وسياسيين وفنانين.

 

غسان مبدعاً:

.. عمل غسان كنفاني على نصه بجهد مضنٍ، لم يُعرف أدبه ولم يشأ أن يسميه، ليس لأنه لا يعرف ما يكتب وإنما لاكتشافه إمكانية كتابة شكل مختلف، ومُختلفٌ عليه من ضواحي أساليبه المترامية التي يجمعها الإبداع منطلقاً والمضمون غاية، مما حذا به للغوص في أشكال مترامية، ربما لم يقصد ذلك، لكن طبيعة النص الذي يكتبه فرضت نفسها مع كل جملة خطها بقلمه الواثق والمرتجف، لهذا قيل إن غسان كنفاني متأثر بالوجودية، ثم قيل بالواقعية، والواقعية الاشتراكية، والرومانسية وقيل ما قيل لكن الرجل لم يكن سوى نفسه في كل الأوقات. لم يأبه بالشكل، لهذا جاء متعدد التجريب في مدرسية كتابته، ولهذا أيضاً اعتمد لغة بساطة ممتنعة، لا تعتمد الإدهاش أو التنظير اللغوي للقارىء. وهو الأسلوب الذي اعتمده مجايليه، وكان سائداً ولا زال في مفاهيم أهل الحداثة العربية التي اعتبر بعض أو غالبية رموزها أن التهويم لغةً هو واحد من فنون الكتابة، وأن الكتابة المعقدة والتي تصدم عقل القارىء هي كتابة راقية، لم يكن غسان من بين هؤلاء فقد اعتمد لغة بساطة عميقة ونادرة. إن أهم ما يميز غسان كنفاني ليس السهولة، وإنما ما يمكن تسميته بالعمق المتدرج، أي ذلك الذي يعتمد على طرح بسيط شكلاً يمكن فهمه من قبل البسطاء وغير الدارسين أو المختصين، وهو في الوقت عينه يحير النقاد والمختصين ببلاغته وعمقه ولا دلالاته المرئية، ولهذا حاز الأديب الكبير على رضا كل من أهل الأدب والفن، وتقدير الجمهور الواسع، لهذا لا يمكن اعتباره مبدعاً جماهيرياً كما تم الترويج لذلك منذ عقود، غسان كنفاني مبدع وحسب، لكن أسلوب إبداعه قابل للفهم حسب مستوى معرفة وثقافة المتلقي، إنه كاتب العمق المتدرج، وهو ما أثار نجاحاً لدى العديد من أساطين الحداثة العربية شعراً ونثراً كنزار قباني، ومحمود درويش، على أن غسان اغتيل قبل اكتمال مشروعه ليس بالمعنى الفكري والفني، وإنما الكمي، لتتخيل إنه لا زال حياً، بالتأكيد لكانت الرواية والنثر والمسرح العربي أكثر سطوعاً ولا نبالغ هنا  إذا قلنا أن هذا كان أحد أهم أسباب اغتياله غسان شهيداً : ترى ما الذي يدفع صهيونية منتصرة تسحق عدة جيوش بأيام، ولديها كل هذا الكم من المساعدين عرباً وعجماً للتفكير بقتل كاتب، ألان هذا الكاتب جمع بين كونه قائداً سياسياً، وإعلامياً، وفناناً وأديباً؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه، لأن العدو الذي اعترف بجريمة اغتياله بعد أكثر من ثلاثة عقود قد لا يعترف بالسبب إلى ما بعد ثلاثين عقداً أخر. شخصياً لا أعتقد بأن سبب اغتيال غسان كنفاني إلا كونه أديباً يهدد بسعة الانتشار والتأثير والتحريض على نطاق واسع، إلى كونه مؤسساً لمجلة خطيرة كانت تنهج منهجاً مغايراً للسائد، ليس من حيث الشعار السياسي وإنما الجموح نحو عمق إبداعي صحفي، فالمراجع للهدف منذ تأسيسها وحتى بعد اغتيال كنفاني، يجد روحاً فلسطينية مفعمة بالتغيير والتثوير عبر مفردات غير شعاراتية، وبأسلوب يحمل في طياته كل ذكاء «خبيث» كما كتبت عنها الصحافة العبرية، الهدف كانت، إلى جانب الإبداع الشخصي، هي من جعل من كنفاني هدفاً للاغتيال. لقد جمع كنفاني بين عمق المبدع، ومباشرة المقاتل، وجموح الثائر، وعمق الفيلسوف، وحنكة السياسي المناضل، لهذا مجتمعاً كان لا بد من اغتياله.  

 

كنفاني عاشقاً :

 لو لم يكن غسان عاشقاً شفافاً، يفيض أحاسيساً ورغبة وهياماً لما استطاع أن يعطي كل هذا الحب لوطنه، فالحقيقة لا تجزأ والرجل لا يمكن أن يكون طبيعياً إن لم يحب فكيف به إذا كان مناضلاً مبدعاً، إنه في عشقه لوطنه يحكي قصة أكبر عن حبه لامرأة، أب، أم، صديق وإلى ما هنالك. مناسبة القول هنا هي تلك «الخطيئة» التي حملها البعض لنشر رسائل المبدعين الكبيرين، غسان كنفاني وغادة السمان، فاعتبر البعض بأن الرسائل «تسيء» إلى غسان، وكأن الرجل ولد بلا أحاسيس رجل شرقي يهيم بامرأة ما، وكأن خطيئة الحب تنفي النقاء عن مبدع لم يكترث سوى لصدقه مع نفسه غير آبه بما قد يقال من هنا أو هناك كما لا يبني جداراً من الكذب الوقور مخفياً أحاسيسه الخاصة خلف صورة المناضل المتخشب، وجاءت ردود الفعل على غسان العاشق متفاوتة، المناضلون والمبدعون الحقيقيون بغالبيتهم رأوا أن الأمر طبيعي بالنسبة لمبدع زاده الشفافية والإحساس العميق بكل الأشياء والتفاصيل من حوله، ووقود إبداعه استمرارية الإحساس بالحياة بكل تلاوينها العامة والخاصة، عامته كانت فلسطين، وخاصته كان إبداعه الشخصي وعشقه المتنوع، وهو بذلك لم يخن نفسه أبداً، بل أضاف نقاءً لنقاء وطهر قضيته، المشروعة في كل جوانبها، والعميقة في كل أشكالها، لم يصطنع انتقاءً لمفردات من هنا أو هناك كما فعل بعض مواكبيه زمنياً فصار يكتب عن حبيبته (المرأة) ويسرد أفكاره وأحاسيسه ثم يكذب على نفسه فيكتب في النهاية فلسطين، وكأن حب امرأة أو أب أو أم أو صديق يلغي حب المرء لوطنه، إن الأمر في حقيقته معاكس تماماً، ونزعم أن من لا يحب لا يستطيع أن يحب وطنه.  كل المناضلين الذين خطوا بأجسادهم المدماة تواريخ مهمة لشعوبهم، كانوا عشاقاً، ليس فقط لأرضهم وأوطانهم وشعوبهم، بل لنساء أحبوهن وتمادوا في التعلق بتلابيبهن، صحيح أن الحديث عن هيام شخصي بامرأة يبدو أمراً سخيفاً في بعض مراحل النضال، لكن ذلك لا ينفي إمكانية بل ضرورة وجوده واقعاً، بل إن الآخر المتواطىء كشخصية أبي الخيزران في « رجال في الشمس » والذي نجده عاجزاً عن هذا الأمر مريضاً وهو ما أودى به إلى كل هذه الانتهازية والـ….، فالأمر هنا لا يتعلق بشيء أكثر من كونه حقيقة إنسانية طبيعية أمام تشوه نفسي يؤدي إلى ما لا يحمد أمره لقد صنع البعض من رسائل غسان وغادة التي نشرتها هي بنفسها وكأن فضيحة قد وضع الغطاء عنها، كما عبر البعض عن سخطه لنشرها وكأن المناضل الشهيد ينبغي أن يكون شخصاً متخشباً، لا حياة فيه، وكأنهم يريدون ما أراده العدو نفسه مع تأكيد حسن النية هنا ـ ليبدو المبدع الكبير غير مبدع في حياته الشخصية، فنسي كثيرون أن صدق اللحظة يفضي إلى الصدق في تناول الوطن، فكان الاستنكار وطلب التعتيم على الحقيقة التي لا شك بأن غسان كان يلمس جوانبها تماماً في حياته الشخصية كل لحظة، وربما فكر في لحظة ما أنها ستكون سبباً لقتله، وقد كانت لاحقاً.‍!  

 

غسان خارج الزمن :

ربما نسأل أنفسنا، ترى لماذا لا زال يُكتب حتى اليوم عن غسان كنفاني وكأنه اغتيل أمس، أو كأن أدبه كتب قبل لحظة، والجواب بسيط، غسان كنفاني مبدع متعدد الأوجه والدلالات والأفكار، عميق الرؤية، مع كل مرة تقرؤه تكتشف شيئاً جديداً، إنه شبيه ببطل أسطوري، كلما رأيته اكتشفت في وجهه ملامح جديدة، المؤسف أننا نستطيع الزعم بأن العدو اكتشف مواهب الرجل قبل أن يكتشفها كثير من الفلسطينيين والعرب فحسم أمره، في حين لا زال البعض في الساحة الثقافية الفلسطينية والعربية غير منتبه إلى ذلك الكائن السري الساكن بين حروف كنفاني، فهناك من يقول بأن غسان أخذ أكثر من حقه نقدياً وإعلامياً، وإنكم أنتم خصوصاً في مجلة الهدف تحتفلون سنوياً بذكرى اغتياله وتروجون بضاعته، ولا شك بأن الهدف وفية لمؤسسها الكبير، لكن ماذا سيقال لأولئك النقاد، الذين من بينهم غربيون، بل وحتى صهاينة لا زالوا يتابعون ويدرسون نتاج كنفاني وكأنه نشر يوم أمس؟ فقد رد سامي ميخائيل الروائي الصهيوني على رواية « عائد إلى حيفا» بعد قرابة أربعة عقود، وللأسف لا زال بعض منا لم يكتشف غسان كنفاني وكأننا مصرون على أن يكتشف العدو أشياءنا، مزايانا، إبداعنا قبلنا نحن أنفسنا، وكأن هناك من يصر على ألا يفهم روح غسان كنفاني، الذي يجمع بين المناضل والسياسي والعاشق والمناضل والإنسان. كل هذا الجمع أوصل هذه الشخصية إلى أن تكون ركيزة لإبداع فلسطيني مميز، يحتمل كل تأويل ولكنه لا يمكنه إلا أن يكون نفسه، لهذا فإن الوقوع في بئر غسان كنفاني وقوع ممتع، وغني وشائك، وعميق مع كل متر تكتشف تضاريس جديدة، إن ذلك ليس شأن كنفاني وحده، وإنما كل المبدعين الحقيقيين، والكبار حقاً. إن غسان ينتمي إلى شجرة الفلسطينيين التي وصفها راحل كبير آخر هو فواز عيد قائلاً بأنها لا تمل الحياة أبداً، ولهذا سيستمر الجدل أيضا ……

 

Commenter cet article