الخلط بين السياسة وعلم التربية

Publié le

 

 

861ima

عندنا عدد غير قليل من الاشتراكيين- الديمقراطيين ممن يستسلمون للتشاؤم بتأثير كل هزيمة يمنى بها العمال في بعض اشتباكا تهم مع الرأسماليين أو مع الحكومة، وينبذون جانبا بكل ازدراء جميع الأحاديث عن الأهداف العليا والكبيرة للطبقة العاملة، متذرعين بعدم كفاية نفوذنا بين الجماهير. فأين نحن من هذا! وأي شان لنا! هكذا يقول هؤلاء القوم. بل انه لا داعي إلى التحدث عن دور الاشتراكية - الديمقراطية بوصفها الطليعة في الثورة حين لا نعرف شيئا أكيدا عن مزاج الجماهير، ولا نستطيع أن نندمج في الجماهير، وان نستنهض جماهير العمال! إن إخفاقات الاشتراكيين - الديمقراطيين في الأول من أيار من السنة الجارية قد قوت كثيرا هذا المزاج. وسرعان ما تلقفه المناشفه أو الايسكريون الجدد، بالطبع، لكي يرفعوا مرة أخرى الشعار القائل: إلى الجماهير! بصفة شعار خاص، كأنما تشفيا من شخص ما، كأنما جواب عن الأفكار والأحاديث حول الحكومة الثورية المؤقتة، وحول الديكتاتورية الثورية الديمقراطية، وما إلى ذلك.

ولابد من الاعتراف بان هذا التشاؤم وهذه الاستنتاجات التي يستخلصها منه الصحفيون الإيسكريون الجدد المتسرعون تتسم بسمة بالغة الخطورة من شانها أن تتسبب بضرر فادح للحركة الاشتراكية – الديمقراطية. يقينا إن الانتقاد الذاتي ضروري بلا قيد ولا شرط لأجل كل حزب حي وقابل للحياة. وليس ثمة ما هو أسخف من التفاؤل المفعم بالرضى عن النفس. وليس ثمة ماهو مشروع أكثر من الإشارات إلى الضرورة الدائمة، المطلقة القاضية بتعميق وتوسيع، بتوسيع وتعميق نفوذنا بين الجماهير، ودعايتنا وتحريضنا الماركسيين الصرف، وتقربنا من نضال الطبقة العاملة الاقتصادي، الخ.. ولكن بما إن هذه الإشارات مشروعة دائما و أبدا، في جميع الظروف والأوضاع أيا كانت، لهذا السبب بالذات، لا يجب تحويلها إلى شعارات خاصة، ولا يمكنها أن تبرر محاولات بناء اتجاه خاص ما عليها في الاشتراكية – الديمقراطية. فهنا يقوم حد تحولون، عند تخطيه، هذه الإشارات التي لا جدال فيها إلى عامل لتقليص مهمات الحركة ونطاقها، إلى عامل للتناسي العقائدي الجامد لمهمات الوضع الراهن السياسية الطليعية الملحة.

ينبغي دائما تعميق وتوسيع العمل والنفوذ بين الجماهير. فبدون هذا لا يكون الاشتراكي - الديمقراطي اشتراكياً - ديمقراطياً. وما من منظمة، وفرقة، وحلقة يمكن اعتبارها اشتراكية – ديمقراطية إذا لم تقم بهذا العمل بصورة دائمة ومنتظمة. فإن كل مغزى تميزنا الصارم، في حزب مستقل منفرد للبروليتاريا يقوم بمقدار كبير في انه يتعين علينا أن نقوم بهذا العمل الماركسي على الدوام وبلا اعوجاج، مستنهضين الطبقة العاملة كلها، حسب المستطاع، إلى مستوى الاشتراكية – الديمقراطية الواعية، دون أن نسمح لأية عواصف، وقطعا لأية عواصف سياسية – و بالاحرى لأية تغيرات سياسية في الديكورات– أن تصرفنا عن هذا العمل الحيوي. وبدون هذا العمل، يتحول النشاط السياسي حتما إلى خشخيشة، لأن هذا النشاط –لا يكتسب معنى جديا بالنسبة للبروليتاريا إلا عندما، وإلا بقدر ما يستنهض جماهير طبقة معينة، ويستثير اهتمامها ومصلحتها، ويدفعها إلى الاشتراك النشيط، الطليعي، في الأحداث. إن  هذا العمل ضروري؛ وقد سبق وقلنا انه ضروري على الدوام: بعد كل هزيمة، يمكن ويجب التذكير به، وينبغي التأكيد عليه، لأن ضعفه هو دائما أحد أسباب هزيمة البروليتاريا. وبعد كل انتصار ينبغي كذلك دائما التذكير والتأكيد على أهميته، وإلا كان النصر ظاهريا وكانت ثماره غير مضمونة، وأهميته الفعلية من وجهة نظر نضالنا العظيم كله في سبيل هدفنا النهائي تافهة، بل يمكن حتى أن تكون سلبية (وذلك على وجه الضبط إذا اضعف النصر الجزئي يقظتنا، إذا اضعف حذرنا من الحلفاء غير المأمونين، واتاح تفويت الفرصة لأجل مواصلة الضغط على العدو بمزيد من الجد).

ولكن بما أن هذا العمل الهادف إلى تعميق وتوسيع نفوذنا بين الجماهير ضروري دائما بالقدر نفسه، سواء بعد كل نصر أو بعد كل هزيمة، سواء في عهد الركود السياسي أم في الزمن الثوري العاصف للغاية، لهذا السبب على وجه الضبط لا يمكن استخلاص أي شعار خاص من الإشارة إليه، و لا يمكن بناء اتجاه خاص عليه، دون المجازفة في السقوط في حمأة الديماغوجية وبالانزلاق إلى استصغار مهام الطبقة الطليعية والوحيدة الثورية فعلاً إن النشاط السياسي الذي يقوم به الحزب الاشتراكي – الديمقراطي ينطوي وسوف ينطوي دائما على عنصر معين من علم التربية: تجب تربية كل طبقة العمال الأجراء للاضطلاع بدور المناضلين من اجل تحرير البشرية جمعاء من كل اضطهاد، يجب دائما تعليم الجديد والجديد من فئات هذه الطبقة، تجب معرفة التقرب من اقل ممثلي هذه الطبقة تعلماً وتطوراً، اقلهم تماساً بعلمنا وبعلم الحياة، لكي نعرف كيف نوجه إليهم الكلام، لكي نعرف كيف نتقرب منهم، لكي نعرف كيف نرفعهم بصبر ورباطة جأش إلى مستوى الوعي الاشتراكي- الديمقراطي، دون أن نحول تعليمنا إلى عقيدة جامدة جافة، مع تعليمنا إياها لا بالكتاب وحده، بل أيضاً في المشاركة في النضال الحيوي اليومي الذي تخوضه فئات البروليتاريا هذه الأقل تعلماً والأقل تطورا وهذا النشاط اليومي ينطوي - واكرر قولي – على عنصر معين من علم التربية. وان الاشتراكي – الديمقراطي الذي ينسى هذا النشاط يكف عن إن يكون اشتراكياً - ديمقراطياً. وهذا صحيح. ولكنهم غالباً ما ينسون عندنا الآن أن الاشتراكي – الديمقراطي الذي يحصر مهمات السياسة في علم التربية  يكف هو أيضا، -وان لسبب أخر- عن أن يكون اشتراكي – ديمقراطي. ومن يفكر في أن يجعل من “علم التربية” هذا شعارا خاصا،  ويعارض “السياسة” به، ويبني على هذه المعارضة اتجاها خاصا، ويستعين بالجمهور متذرعا بهذا الشعار ضد “ساسة” الاشتراكية – الديمقراطية، ينحط في الحال وبصورة محتمة إلى درك الديماغوجية.

إن كل مقارنة عرجاء، وهذا أمر معروف من زمان. فكل مقارنة لا تقارن غير جانب واحد أو غير بعض الجوانب من الأشياء والمفاهيم المقارنة، مجردة الجوانب الأخرى بصورة مؤقتة ومصطلحة. فلنذكر القارئ بهذه الحقيقة التي يعرفها الجميع ولكن التي غالبا ما يلفها النسيان، ولنقارن الحزب الاشتراكي – الديمقراطي مع مدرسة كبيرة، ابتدائية، وثانوية، وعليا، في آن واحد. إن هذه المدرسة لن تستطيع يوماً، وأيا كانت الظروف، أن تنسى أمر تعليم الألف باء، وتعليم أصول المعرفة وأصول الفكر المستقل. ولكن إذا ما فكر احد في التملص من مسائل المعرفة العليا بالتذرع بالألف باء، وإذا ما اخذ أحد يعارض نتائج هذه المعرفة العليا (التي هي في منال حلقة من الأفراد اقل مرارا من حلقة الأفراد الذين تعلموا الألف باء)، نتائجها “الضيقة”، المشكوك فيها، غير الثابتة، بنتائج المدرسة الابتدائية، بنتائجها الثابتة والعميقة والواسعة والوطيدة، فانه يبرهن على قصر نظر لا يصدق؛ بل  انه يمكنه حتى أن يسهم في تشويه كل مغزى المدرسة العليا تشويهاً تاماً، لأن تجاهل مسائل المعرفة العليا ليس من شأنه إلا أن يسهل للمشعوذين والديماغوجيين والرجعيين تضليل الذين تعلموا الألف باء فقط. أو أيضا، لنقارن الحزب والجيش  لا يجوز، لا في زمن السلم ولا في زمن الحرب، نسيان تعليم المجندين الجدد، نسيان علم الرماية، نسيان نشر ألف باء العلم الحربي بين الجماهير سعة وعمقاً. ولكن إذا عمد قادة المناورات أو المعارك الفعلية…

 

كتب في حزيران  1905.                                        المجلد 10،

صدر للمرة الأولى عام 1926                              ص ص 355-358.

في المجموعة اللينينية، العدد 5

Publié dans Politics - سياسة

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article