الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية الاشتراكية لينين

Publié le

 

من كتاب لينين: الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي 

إن القضية التي شوشها كاوتسكي بهذا الشكل المقيت تبدو، في الواقع، على النحو التالي.

من الواضح أنه، طالما هناك طبقات متمايزة،- وطالما لم نسخر من الحس السليم والتاريخ،- لا يمكن التحدث عن «الديمقراطية الخالصة»، بل عن الديمقراطية الطبقية فقط (ونقول بين هلالين أن «الديمقراطية الخالصة» ليست فقط صيغة جاهلة تنم عن عدم فهم لنضال الطبقات، ولجوهر الدولة، على حد سواء، بل هي أيضا صيغة جوفاء ولا أجوف، لأن الديمقراطية، ستضمحل، إذ تتطور في المجتمع الشيوعي وتتحول إلى عادة، ولكنها لن تصبح أبدا «ديمقراطية خالصة»).

إن «الديمقراطية الخالصة» ليست سوى تعبير كاذب لليبيرالي يخدع العمال. إن التاريخ يعرف الديمقراطية البرجوازية التي تحل محل النظام الإقطاعي، والديمقراطية البروليتارية التي تحل محل الديمقراطية البرجوازية.

وحين يخصص كاوتسكي عشرات الصفحات أو يكاد «لإثبات» هذه الحقيقة وهي أن الديمقراطية البرجوازية خطوة إلى الأمام بالنسبة للقرون الوسطى وأنه لابد للبروليتاريا من استخدامها في نضالها ضد البرجوازية، فليست محاولته هذه إلا ثرثرة ليبيرالية تخدع العمال. وهي من باب تحصيل الحاصل، لا في ألمانيا المتعلمة وحسب، بل أيضا في روسيا غير المتعلمة. إن كاوتسكي لا يفعل غير أن يذر رماد «العلم» في عيون العمال، ويتجلبب بجلباب الوقار والرصانة حين يتحدث عن فيتلينغ، وجزويت الباراغواي، وعن كثرة من الأشياء الأخرى، وذلك لكي يتجنب الجوهر البرجوازي للديمقراطية المعاصرة، أي الديمقراطية الرأسمالية.

إن كاوتسكي يأخذ من الماركسية ما هو مقبول عند الليبيراليين، عند البرجوازية (انتقاد القرون الوسطى، الدور التاريخي التقدمي للرأسمالية بوجه عام والديمقراطية الرأسمالية بوجه خاص)؛ وينبذ من الماركسية ما هو غير مقبول عند البرجوازية، ويلزم الصمت حوله، ويطمسه (عنف البروليتاريا الثوري ضد البرجوازية، من أجل القضاء على البرجوازية). ولهذا السبب، يتكشف كاوتسكي حتما عن خادم ذليل للبرجوازية، بحكم موقفه الموضوعي، وأيا كانت عقائده الذاتية.

إن الديمقراطية البرجوازية، وإن كانت تشكل خطوة تاريخية كبيرة إلى الأمام بالنسبة للقرون الوسطى، تظل أبدا مع ذلك،- ولا يمكنها أن لا تظل كذلك في النظام الرأسمالي- ديمقراطية ضيقة، مبتورة، مزورة، منافقة، فردوسا للأغنياء، وفخا وخديعة للمستثمرين، للفقراء. وهذه الحقيقة، التي تشكل القسم الأساسي الجوهري في المذهب الماركسي، هي التي لم يفهمها «الماركسي» كاوتسكي. ففي هذه القضية - الجذرية- يتفضل كاوتسكي «بألطافه» على البرجوازية، بدلا من أن يأتي بانتقاد علمي للظروف والشروط التي تجعل من كل ديمقراطية برجوازية ديمقراطية للأغنياء.

بادئ الأمر، نذكر العالم العلامة السيد كاوتسكي ببيانات ماركس وانجلس النظرية التي «نسيها» هذا الحافظ بشكل مخز (إرضاء للبرجوازية)؛ ثم نفسر المسألة على أوضح وجه.

إن «الدولة التمثيلية العصرية»، وليس فقط الدولة القديمة والدولة الإقطاعية، هي أيضا «أداة لاستثمار العمل المأجور من قبل الرأسمال» (انجلس في مؤلفه عن الدولة[1]). «ولما كانت الدولة عبارة عن مؤسسة ذات طابع عابر وحسب يتأتى استخدامها في النضال، في الثورة، لقمع الخصوم بالقوة، فإن الحديث عن الدولة الشعبية الحرة هو مجرد لغو: فما دامت البروليتاريا بحاجة إلى الدولة، فهي لا تحتاجها من أجل الحرية، بل من أجل قمع خصومها، وعندما يصبح بالإمكان الحديث عن الحرية، عندئذ تزول الدولة بوصفها دولة». (انجلس، رسالة إلى بيبل، 28 آذار (مارس) 1875). «إن الدولة ليست إلا جهازا لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى، وهذا ما يصدق على الجمهورية الديمقراطية بدرجة لا تقل إطلاقا عن صدقه على الملكية» (انجلس، مقدمة كتاب ماركس «الحرب الأهلية») [2]. إن حق الانتخاب العام «دليل على نضج الطبقة العاملة. ولا يمكنه قط أن يكون ولن يكون أكثر من ذلك في الدولة الراهنة» (انجلس في مؤلفه عن الدولة [3]. إن السيد كاوتسكي يجتر بصورة مملة جدا القسم الأول من هذه الموضوعة، المقبول عند البرجوازية. أما القسم الثاني الذي أشرنا إليه بحرف التأكيد والذي هو غير مقبول عند البرجوازية، فإن المرتد كاوتسكي يلزم الصمت حوله!). «كان يراد بالكومونة أن تكون لا هيئة برلمانية، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه… وبدلا من البث مرة كل ثلاث سنوات أو ست في معرفة أي عضو من الطبقة الحاكمة يجب أن يمثل ويقمع  ver-und wertretenالشعب في البرلمان، كان يجب على حق الانتخاب العام، بدلا من ذلك، أن يخدم الشعب، المنظم في الكومونات قصد البحث لمؤسسته عن عمال ومراقبين ومحاسبين، كما يخدم حق الانتخاب الفردي لهذا الغرض أيا كان من أرباب العمل». (ماركس في مؤلفه عن كومونة باريس«الحرب الأهلية في فرنسا») [4].

إن كلا من هذه الموضوعات التي يعرفها العالم العلامة السيد كاوتسكي جيد المعرفة، إنما تصفع وجهه صفعا، وتكشف عن كامل ارتداده. ففي كل كراسه، لا تنم أية بادرة لفهم هذه الحقائق. وما مضمون هذا الكراس، من أول سطر منه حتى آخر سطر، سوى سخر من الماركسية!

خذوا القوانين الأساسية في الدول المعاصرة، خذوا إدارتها، خذوا حرية الاجتماع أو حرية الصحافة، خذوا «مساواة المواطنين أمام القانون»، تروا لدى كل خطوة نفاق الديمقراطية البرجوازية الذي يعرفه جيدا كل عامل شريف ومدرك. فليس ثمة دولة، حتى أوفر الدول ديمقراطية، لا يتضمن دستورها منافذ أو تحفظات تمكن البرجوازية من توجيه الجيوش ضد العمال، وإعلان الأحكام العرفية، الخ. «في حالة مخالفة النظام»، أي، في الواقع، حين «تخالف» الطبقة المستثمرة وضعها الاستعبادي وتحاول أن لا تسلك سلوك العبد الخ. إن كاوتسكي يزين وجه الديمقراطية البرجوازية بكل وقاحة وصفاقة؛ فهو، مثلا، لا ينبس ببنت شفة عما يفعله، ضد العمال المضربين، أشد البرجوازيين نزعة ديمقراطية وجمهورية في أمريكا أو في سويسرا.

آه، إن كاوتسكي الحكيم والعلامة لا يقول شيئا لاعن هذا! إنه لا يفهم، هذا السياسي العالم، أن الصمت هنا نذالة. فهو يفضل أن يروي على مسامع العمال قصاصا للأطفال، كأن يقول مثلا أن الديمقراطية تعني «حماية الأقلية». هذا القول لا يصدق، ولكنه هكذا ورد! ففي الـ 1918 بعد ميلاد المسيح، في العام الخامس من المجزرة الامبريالية العالمية، وبينما يخنقون في جميع «ديمقراطيات» العالم الأقليات الأممية (أي التي لم تخن الاشتراكية بسفالة وحقارة، كما فعل رينوديل ولونغه وأضرابهما، وشيدمان وكاوتسكي وأمثالها، وهندرسون وويب ومن لف لفهما، الخ)، يطري السيد العلامة كاوتسكي بصوت معسول، معسول جدا، «حماية الأقلية». وكل من له رغبة يمكنه أنة يقرأ هذا في الصفحة 15 من كراس كاوتسكي. وفي الصفحة 16، يحثك هذا العالم… الشخصية عن الويغ والتوري [5] في القرن الثامن عشر في إنجلترا!

فيا للعلم ! ويا له من استخذاء ناعم أمام البرجوازية! وأية طريقة متمدنة في الزحف على البطن أمام الرأسماليين ولعق جزماتهم! ولو كنت كروب، أو شيدمان، أو كليمانسو، أو رينوديل، لدفعت الملايين للسيد كاوتسكي، ولنزلت عليه ضما وتقبيلا كيهوذا، ومدحته أمام العمال، ودعوت إلى «وحدة الاشتراكية» مع أناس«محترمين» أمثال كاوتسكي. وكتابة الكراريس ضد ديكتاتورية البروليتاريا، ورواية تاريخ الويغ والتوري في القرن الثامن عشر في إنجلترا، والتأكيد أن الديمقراطية تعني «حماية الأقلية»، والسكوت عن مذابح الأمميين في جمهورية أمريكا «الديمقراطية»، أليست تلك خدمات يقدمها خادم ذليل للبرجوازية؟

إن السيد العلامة كاوتسكي قد «نسي» -ويبدو أنه نسي صدفة- «تفاهة» عنيت بها أن الحزب السائد في الديمقراطية البرجوازية لا يخول حماية الأقلية إلا لحزب برجوازي آخر، بينما تنال البروليتاريا، في كل قضية، جدية، عميقة، جذرية، الأحكام العرفية أو المجازر بدل «حماية الأقلية». فبقدر ما تكون الديمقراطية أكثر تطورا بقدر ما تكون المجزرة أو الحرب الأهلية أقرب في حال خلاف سياسي عميق وخطر على البرجوازية. إن «قانون» الديمقراطية البرجوازية هذا، إنما كان بوسع السيد العالم كاوتسكي أن يراه ويلمسه في قضية دريفوس في فرنسا الجمهورية. في «لنتش» الزنوج والأمميين في الجمهورية الديمقراطية الأمريكية، في مثال ارلنده وأولستر في إنجلترا الديمقراطية [6]، في الملاحقات الوحشية والمجازر المنظمة ضد البلاشفة في نيسان (أبريل) 1917 في الجمهورية الديمقراطية الروسية. وهذه الأمثلة، أستقيها قصدا وعمدا، لا من زمن الحرب وحسب، بل أيضا من زمن ما قبل الحرب، من زمن السلم. أما السيد المعسول كاوتسكي فيطيب له أن يغمض عينيه عن هذه الوقائع من القرن العشرين، وأن يتحف العمال، على العكس، بأشياء جديدة في غاية الجدة، طريفة في غاية الطرافة، مفيدة في منتهى الفائدة، هامة إلى حد لا يصدق، بأشياء عن الويغ والتوري في القرن الثامن عشر.

خذوا البرلمان البرجوازي. فهل يمكن الافتراض أن العالم كاوتسكي لم يسمع قط بأنه بقدر ما تبلغ الديمقراطية درجة عالية من التطور، بقدر ما تخضع البورصة لنفسها ويخضع أصحاب البنوك لأنفسهم البرلمانات البرجوازية؟ ولكنه لا ينجم أبدا مما سبق استخدام البرلمانية البرجوازية (وقد استخدمها البلاشفة بنجاح ربما يكون أكبر من نجاح أي حزب آخر في العلم إذ أننا ظفرنا بكل مقاعد العمال في الدوما الرابعة من عام 1912 إلى عام 1914). إن ما ينجم هو أنه ليس غير الليبيرالي من يستطيع أن ينسى، كما نسي كاوتسكي، طابع البرلمانية البرجوازية المحدود والنسبي، من الناحية التاريخية. ففي الدولة البرجوازية الأوفى ديمقراطية، تصطدم الجماهير المظلومة على الدوام بالتناقض الصارخ بين المساواة الاسمية التي تعلنها «ديمقراطية» الرأسمالية، وآلاف القيود والأحابيل الفعلية التي تجعل من البروليتاريين عبيدا مأجورين. إن هذا التناقض بالذات هو الذي يفتح عيون الجماهير على تعفن الرأسمالية، وبهتانها، ونفاقها. وهذا التناقض بالذات هو الذي يكشف القناع عنه بلا انقطاع دعاة الاشتراكية ومحرضوها أمام الجماهير، بغية إعدادها للثورة! وحين بدأ عهد الثورات، أدار له كاوتسكي ظهره وراح يتغنى بمحاسن الديمقراطية البرجوازية المحتضرة.

إن الديمقراطية البروليتارية، التي سلطة السوفييت شكل من أشكالها، قد طورت الديمقراطية ووسعتها إلى حد لم ير العالم مثيلا له، في صالح غالبية السكان الساحقة على وجه الدقة، في صالح المستثمرين والشغيلة. وفي هذه الحال، إذا كتبت كراسا كاملا عن الديمقراطية، كما فعل كاوتسكي الذي خصص صفحتين فقط للديكتاتورية وعشرات الصفحات «للديمقراطية الخالصة»، ولم تلحظ ذلك، فأنت تحرف الوقائع تحريفا كليا وليبيراليا.

خذوا السياسة الخارجية. ليس هناك أي بلد برجوازي تمارس فيه بشكل سافر، حتى وإن كان أوفى البلدان البرجوازية ديمقراطية. ففي كل مكان، خداع للجماهير؛ وفي البلدان الديمقراطية، فرنسا، سويسرا، أمريكا، إنجلترا، يتخذ هذا الخداع شكلا أكبر وأنعم مائة مرة مما في البلدان الأخرى. أما سلطة السوفييت، فقد نزعت القناع بصورة ثورية عن أسرار السياسة الخارجية. وهذا الواقع لم يلحظه كاوتسكي ولا ينبس عنه بكلمة، مع أن له أهمية جوهرية في عصر الحروب اللصوصية والمعاهدات السرية حول «تقاسم مناطق النفوذ» (أي حول تقاسم العالم من قبل الأشقياء الرأسماليين)؛ فعليه تتوقف قضية السلام، قضية حياة أو موت عشرات الملايين من الناس.

خذوا تنظيم الدولة. إن كاوتسكي يتمسك «بالتفاصيل» حتى أنه يلاحظ أن الانتخابات «غير مباشرة» (في الدستور السوفييتي) ولكنه لا يرى جوهر القضية. فهو لا يرى الجوهر الطبقي لجهاز الدولة، لآلة الدولة. ففي الديمقراطية البرجوازية، يقصي الرأسماليون الجماهير بألف حيلة وحيلة –تزداد مهارة وفعالية بقدر ما تكون الديمقراطية «الخالصة» أكثر تطورا- عن الاشتراك في الحكم، عن حرية الاجتماع والصحافة، الخ.. أما سلطة السوفييت، فهي أول سلطة في العالم (الثانية على سبيل الضبط، إذ كومونة باريس كانت بدأت الشيء نفسه) تشرك الجماهير في الحكم، الجماهير المستثمرة، على وجه الضبط. هناك ألف حاجز وعقبة تعترض الجماهير الكادحة دون الاشتراك في البرلمان البرجوازي (الذي لا يحل أبدا أهم المسائل في الديمقراطية البرجوازية، إذ تحلها البورصة والبنوك). والعمال يعرفون جيد المعرفة، ويشعرون، ويدركون، ويرون، ويلمسون لمس اليد أن البرلمان البرجوازي هو هيئة غريبة عنهم، وأداة لاضطهاد البروليتاريين من جانب البرجوازية، هيئة طبقة معادية، هيئة أقلية من المستثمرين.

أما السوفييتات، فهي المنظمة المباشرة للجماهير الكادحة والمستثمرة بالذات، وهي تسهل لها إمكان تنظيم الدولة بنفسها وإدارتها بكل الوسائل الممكنة. وفي هذا المضمار، تتمتع طليعة الكادحين والمستثمرين، بروليتاريا المدن، بمزية مفادها أنها متحدة على خير وجه بفضل المشروعات الضخمة، كما أنه من الأسهل لها انتخاب النواب ومراقبتهم. إن التنظيم السوفييتي يسهل بصورة أوتوماتيكية اتحاد جميع الكادحين والمستثمرين حول طليعتهم، البروليتاريا. إن الجهاز البورجوازي القديم،-البيروقراطية، والامتيازات الناجمة عن الثروة والتعليم البرجوازي والعلاقات، الخ. (إن هذه الامتيازات الفعلية تزداد تنوعا بقدر ما تكون الديمقراطية البرجوازية أكثر تطورا) إن كل هذا يزول مع قيام التنظيم السوفييتي. ولا تبقى حرية الصحافة مجرد رياء، إذ تؤخذ المطابع والورق من البرجوازية. وكذلك تؤخذ خيرة الأبنية، والقصور، والبيوت الخاصة، وبيوت الإقطاعيين. إن السلطة السوفييتية قد انتزعت دفعة واحدة، خيرة هذه العمارات، بالآلاف والآلاف، من المستثمرين؛ وهكذا جعلت حق الاجتماع للجماهير -هذا الحق الذي لا تعني الديمقراطية بدونه غير الخداع والتضليل- أكثر «ديمقراطية» بمليون مرة. والانتخابات غير المباشرة إلى السوفييتات غير المحلية تسهل عقد مؤتمرات السوفييتات، وتجعل كل الجهاز أقل كلفة، وأكثر حركة، وأقرب منالا إلى العمال والفلاحين، في مرحلة من الحياة الناشطة المتدفقة ينبغي أن تتوافر فيها لهم إمكانية سحب نائبهم المحلي أو إرساله إلى مؤتمر السوفييتات العام بأسرع وقت.

إن الديمقراطية البروليتارية لأكثر ديمقراطية بمليون مرة من أية ديمقراطية برجوازية؛ إن سلطة السوفييت لأكثر ديمقراطية بمليون مرة من أوفر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية.

فقط كان يستطيع ألا يلحظ هذا، إما خادم البرجوازية عن وعي، وإما إنسان ميت سياسيا تماما، لا يرى الحياة الحية من وراء الكتب البرجوازية المغبرة، مشبع كليا بالأوهام الديمقراطية البرجوازية، وبالتالي جعل نفسه، موضوعيا، خادما ذليلا للبرجوازية.

وكان لا يستطيع ألا يلحظ هذا إلا إنسان عاجز عن طرح المسألة من وجهة نظر الطبقات المظلومة:

فهل يوجد في العالم ولو بلد واحد من أكثر البلدان البرجوازية ديمقراطية يتمتع فيه العامل المتوسط الجماهيري والأجير الزراعي المتوسط الجماهيري أو بوجه عام نصف البروليتاري في الأرياف (أي ممثل الجمهور المظلوم، ممثل أغلبية السكان الساحقة)، يتمتع وإن بصورة تقريبية، بنفس الحرية في تنظيم الاجتماعات في خيرة العمارات، بنفس الحرية في تملك أكبر المطابع وأوفر مخزونات الورق للإعراب عن أفكارهما والدفاع عن مصالحهما، بنفس الحرية في تقديم أفراد من طبقتهما بالذات إلى إدارة الدولة  «وتدبير»ها، كما في روسيا السوفييتية؟

من المضحك حقا أن يعتقد المرء أن في مستطاع السيد كاوتسكي أن يجد في بلد ما، ولو عاملا واحدا أو أجيرا زراعيا واحدا من ألف، يتردد في الإجابة عن هذا السؤال إذا ما عرف الحقيقة. إن عمال العالم بأسره يعطفون على جمهورية السوفييت بالغريزة، لمجرد سماعهم نتفا من الحقيقة تعترف بها الصحف البرجوازية، وذلك بالضبط لأنهم يرون فيها الديمقراطية البروليتارية، الديمقراطية للفقراء، لا الديمقراطية للأغنياء، وتلك هي بالفعل كل ديمقراطية برجوازية، حتى أفضلها.

ونحن يحكمنا (ودولتنا «يدبر»ها) موظفون برجوازيون وبرلمانيون برجوازيون وقضاة برجوازيون. وهذه هي الحقيقة البسيطة، البديهية، التي لا مراء فيها، والتي يعرفها من تجربة الحياة ويلمسها ويحس بها كل يوم العشرات والمئات من ملايين أبناء الطبقات المظلومة في جميع البلدان البرجوازية، بما فيها أوفاها ديمقراطية.

ولكن الجهاز البيروقراطي في روسيا سحق سحقا ولم يترك منه حجر على حجر، وطرد جميع القضاة السابقين، وأطيح بالبرلمان البرجوازي؛ وأعطي تمثيل أقرب بكثير إلى متناول العمال والفلاحين على وجه الضبط؛ وحلت سوفييتاتهم محل الموظفين؛ أو أن سوفييتاتهم وضعت فوق الموظفين؛ وسوفييتاتهم هي التي تنتخب القضاة؛ وهذا الأمر وحده يكفي لكي ترى جميع الطبقات المظلومة أن سلطة السوفييتات، أي هذا الشكل من ديكتاتورية البروليتاريا، هي أكثر ديمقراطية بمليون مرة من أكثر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية.

وهذه الحقيقة المفهومة والبديهية بالنسبة لكل عامل، لا يدركها كاوتسكي، لأنه «نسي» كيف يطرح هذا السؤال، لأنه «غاب عن باله ما تعلمه» بهذا الصدد: الديمقراطية لأية طبقة؟ إنه يفكر ويحلل من وجهة نظر الديمقراطية «الخالصة» (أي بدون طبقات؟ أو خارج الطبقات؟). ويبرهن على طريقة شيلوك [7]:«رطل من اللحم» لا أكثر. المساواة بين جميع المواطنين، وإلا فلا ديمقراطية.

وهكذا لابد لنا أن نطرح على العالم كاوتسكي، على «الماركسي» و«الاشتراكي» كاوتسكي السؤال التالي:

هل يمكن أن تقوم المساواة بين المستثمر والمستثمر؟

وأن نضطر إلى طرح هذا السؤال لمناسبة بحث كتاب لزعيم الأممية الثانية الفكري، لأمر فظيع، لا يصدق. ولكن، «ما دام قد سكب، فلا بد من شربه». وما دمنا قد شرعنا نكتب عن كاوتسكي، فلابد لنا أن نوضح لهذا العالم لماذا لا يمكن أن تقوم المساواة بين المستثمر والمستثمر.

 

 

[1]: انظر انجلس: «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة».

[2]: انظر ماركس: «الحرب الأهلية في فرنسا».

[3]: انظر انجلس: «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة».

[4]: انظر ماركس: «الحرب الأهلية في فرنسا».

[5]: الويغ، حزب سياسي إنجليزي، تأسس بين أواخر العقد الثامن وأوائل العقد التاسع من القرن السابع عشر وهو يمثل مصالح الفئات العليا من البرجوازية التجارية والمصرفية وقسم من الأرستقراطية التي غدت برجوازية. في منتصف القرن التاسع عشر اندمج أعضاء الويغ في جماعات برجوازية أخرى واتخذوا اسم اليبيراليين (الأحرار). التوري، حزب سياسي رجعي إنجليزي، تأسس في العصر نفسه. كان التوري يمثل مصالح الأريستوقراطية العقارية والفئة العليا من رجال الدين في الكنيسة الانكلوكانية. في منتصف القرن التاسع عشر، أعيد تنظيم حزب التوري وأصبح حزبا محافظا، باسم حزب المحافظين. وقد تعاقب هذان الحزبان على السلطة.

[6]: المقصود هنا القمع الدامي من قبل البرجوازية الإنكليزية لثورة ارلندا التي قامت في 1916 ضد استبداد إنكلترا بارلندا «في أوربا… ثارت ارلندا ولكن الانكليز «المحبين للحرية» قمعوا الثورة بسفك الدماء» هكذا كتب لينين 1916.

أولسترا- القسم الشمالي الشرقي من ارلندا، أغلبية سكانه من الانكليز. اشتركت جيوش أولستر في قمع ثورة الشعب الارلندي.

[7]: شيلوك، شخص في إحدى مسرحيات شكسبير الهزيلة«تاجر البندقية».

[8]: انظر ماركس: «اللامبالاة السياسية».   

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article